تابع :-
الأمور التي تحرم بسبب الإحرام
يحرم بالإحرام الأمور الآتية
(1) الجماع ودواعيه
مثل القبلة ، واللمس بشهوة ، والتعرض للنساء بفحش القول .
(2) الخروج عن طاعة الله تعالى
وهو قبيح في غير الإحرام ، ولكنه أثناء الإحرام أقبح وفي الحرم مع الإحرام أشد قبحا ، مما لو كان مع الإحرام فقط ، أو في الحرم فقط .
(3) المخاصمة مع الرفقة والخدم وغيرهم لقوله تعالى
فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج
ولأن الجدال المثير للغضب ممنوع شرعا .
(4) لبس المخيط بجميع أنواعه
والمراد بالمخيط في الملبس هو ما يحيط بالجسد أو بعضه بخياطة أو غيرها .
والأصل في هذا الباب حديث ابن عمر المتفق عليه أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما يلبس المحرم من الثياب ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تلبسوا القمص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس ولا الخفاف إلا أحد لا يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين ، ولا تلبسوا من الثياب شيئا مسه الزعفران ولا الورس
قال الإمام النووي في شرح مسلم وهو يشرح هذا الحديث : قال العلماء : هذا من بديع الكلام وجزله ، فإنه صلى الله عليه وسلم سئل عما يلبسه المحرم فقال : لا يلبس كذا وكذا فحصل في الجواب أنه لا يلبس المذكورات ويلبس ما سوى ذلك - وهذا من الأسلوب الحكيم - وكان التصريح بما لا يلبس أولى لأنه منحصر ، وأما الملبوس الجائز للمحرم فغير منحصر فضبط الجميع بقوله صلى الله عليه وسلم : لا يلبس كذا وكذا : يعني ويلبس ما سواه ، وأجمع العلماء على أنه لا يجوز للمحرم لبس هذه الأشياء وأنه نبه بالقميص والسراويل على جميع ما في معناهما وهو كل ما كان محيطا (أي أعد من الأصل ليكون محيطا بالجسم مثل القميص والسروال والجلباب ، بخلاف إزار الإحرام فإنه لم يفصل ليكون محيطا إذا لبس ولكننا نجعله محيطا بصنعتنا ولفنا إياه حول أجسامنا) وكذلك نبه بهما على ما كان مخيطا (خياطة مفصلة بحيث يكون) معمولا على قدر البدن أو قدر عضو منه (مثل الملابس التي تفصل على قدر الرأس أو الصدر أو الساق أو الذراع إلخ) .
ونبه بالعمائم والبرانس - نوع يغطى به الرأس - على كل ساتر للرأس مخيطا كان أو غير مخيط حتى العصابة (التي تلف حول الرأس مثل الرباط) . فإنها حرام ، فإن احتاج إليها لشجة أو صداع أو غيرهما شدها ولزمته الفدية .
ونبه بالخفاف على كل ساتر للرجل من مداس وحذاء وجورب وغيرهما...
وهذا كله حكم الرجال ، وأما المرأة . فيباح لها ستر جميع بدنها بكل ساتر من مخيط وغيره إلا ستر وجهها فإنه حرام بكل ساتر ويعفى عن جزء يتم به ستر شعر رأسها ، لأن كشف الشعر حرام ولا يتم ستر جميعه إلا بستر جزء من أعلى الجبهة . أما ستر يديها ففيه خلاف بين العلماء وهما قولان للشافعي أصحهما تحريمه ، ولذلك يحرم عليها لبس القفازين.. ورخص فيهما علي وعائشة وعطاء والثوري وأبو حنيفة .
ونبه صلى الله عليه وسلم بالورس والزعفران على ما في معناهما ، وهو الطيب فيحرم على الرجل والمرأة جميعا في الإحرام جميع أنواع الطيب ، والمراد : ما يقصد به الطيب ، وأما الفواكه كالأترج والتفاح وأزهار البراري كالشيح والقيصوم ونحوهما فليس بحرام ، لأنه لا يقصد للطيب...
قال العلماء : والحكمة في تحريم اللباس المذكور على المحرم وفي لباسه : الإزار والرداء أن يبعد عن الترفه ويتصف بصفة الخاشع الذليل ، وليتذكر أنه محرم في كل وقت فيكون أقرب إلى كثرة الذكر ، وأبلغ في المراقبة وصيانة العبادة والامتناع عن إرتكاب المحظورات ، وليتذكر به الموت ولباس الأكفان ، ويتذكر البعث يوم القيامة والناس حفاة عراة مهطعون إلى الداعي.... والحكمة في تحريم الطيب والنساء أن يبعد عن الترفه والتلذذ وزينة الدنيا ويجتمع ، همه لمقاصد الآخرة .
وأمر صلى الله عليه وسلم بلبس النعلين - وهما لا يصلان إلى الكعبين ، ويمسكان في الرجل بسيور- فمن لم يجد نعلين فليلبس خفين - وهما يخفيان القدم بجلدهما ويرتفعان أعلى من الكعبين - وقال صلى الله عليه وسلم : وليقطعهما أسفل من الكعبين (ليكون فيهما شبه بالنعلين) .
وجاءت روايتان في صحيح مسلم إحداهما عن ابن عباس والأخرى عن جابر رضي الله عنهما ، مفادهما أن من لم يجد إزارا فليلبس سروالا ومن لم يجد نعلين فليلبس خفين ، ولم تذكر الروايتان الأمر بقطع الخفين ولذنك اختلف العلماء في الحديثين فقال أحمد : يجوز لبس الخفين بحالهما ، ولا يجب قطعهما ، لأن القطع منسوخ بالحديثين المذكورين .
وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي وجماهير العلماء : لا يجوز لبسهما إلا بعد قطعهما ؛ لأن المطلق يحمل على المقيد ، كما اختلف العلماء فيمن يلبس الخفين بدلا من النعلين لعدمهما ، هل عليه فدية أم لا ؟ فقال مالك والشافعي ومن وافقهما : لا شيء عليه ؛ لأنه لو وجبت فدية لبينها النبي صلى الله عليه وسلم . وقال أبو حنيفة وأصحابه عليه الفدية . ا هـ بتصرف قليل .
(هذا) ومن لم يجد إزارا فلبس سراويل هل يشقها أو لا يشقها ؟ قال الشافعي وأحمد لا يشقها ولا فدية عليه ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أذن بلبسها ولم يذكر فدية وقال مالك والأحناف إن لم يشقها وجبت الفدية .
فوائد
(الأولى) أفادت الأحاديث أن اللبس المعتاد محرم على المحرم ، فلو شق القميص وجعله إزارا أو رداء جاز ، وكذلك السراويل ، ولو كان فيهما خياطة ، لأن الخياطة ليست هي الممنوعة ، إنما الممنوع خياطة بتفصيل على قدر الجسم أو عضو منه كما سبق ، ولو أبقى القميص أو الجبة ، أو السروال ، أو الجلباب كما هو لم يشقه والتف به كإزار أو رداء فإن ذلك جائز ، ولا شيء فيه .
(الثانية) قال مالك وأحمد ، وهو الأصح عند الشافعية ، والمشهور عند الأحناف أن لبس المرأة المحرمة للقفازين حرام وفيهما الفدية ، وقال محمد بن الحسن وهو رواية المزني عن الشافعي ، وقول لمالك : يجوز لها ذلك بدون فدية ، والرأي الأول هو الراجح .
(الثالثة) الثوب المصبوغ بغير طيب مكروه للمحرم وليس بحرام ، لأن السنة لبس الأبيض للرجل المحرم ، أما المرأة فتلبس من الألوان ما تشاء .
(الرابعة) من وجد حذاء أو مداسا تحت الكعبين ، هل يجوز له لبسه مع وجود النعلين ؟ الجواب : لا يجوز عند أحمد ومالك وقول للشافعي ، لأنهما مخيطان لعضو على قدره ، وقال الأحناف يجوز ولا فدية على اللابس وهو رأي للشافعي .
(5) لبس ما صبغ بطيب أو بمطيب :
يحرم على المحرم ذكرا كان أو أنثى لبس ثوب صبغ بما له رائحة طيبة مثل الورس والزعفران اتفاقا إلا إن كان مغسولا بحيث لا ينفض المادة التي صبغ بها ، ولا توجد منه رائحة طيبة فيحل لبسه .
(6) التطيب عمدا
المحرم يتطيب عند الإحرام فقط كما مر، ولا يحل له أن يمس طيبا بعد الإحرام فإن تطيب أثم ، وعليه الفدية ويستوي في ذلك الذكر والأنثى وأن يكون الطيب في الثوب ، أو في البدن ، أو في الشعر، أو في الفراش .
ومن تطيب أو لبس ما حرم عليه وهو محرم لزمته الفدية إن كان متعمدا بالإجماع ، وكذا إذا كان ناسيا عند الأحناف والمالكية .
وقال الشافعي وأحمد لا شيء على الناسي ، إنما الفدية على المتعمد .
وعلى هذا فمن غطى رأسه يوما إلى الليل فعليه الفدية عند الأحناف ولو كان ناسيا ، وإن كان أقل من يوم فعليه صدقة ، وعن مالك يلزمه صدقة إذا انتفع بذلك أو طال لبسه ولو كان ناسيا .
وإن مس من الطيب ما لا يعلق بيده كالمسك غير المسحوق وقطع الكافور والعنبر، فلا شيء في ذلك ، لأنه غير مستعمل للطيب ، فإن شمه فعليه الفدية ، لأنه يستعمل لشم ، وإن كان الطيب يعلق بيده كالغالية وماء الورد والمسك المسحوق ففيه الفدية .
ولو جعل شيء من الطيب في مأكول أو مشروب كالمسك والزعفران فلم تذهب رائحته لم يبح للمحرم تناوله نيئا كان أو مطبوخا قد مسته النار عند الشافعي وأحمد .
وقال مالك والأحناف : لا بأس بما مسته النار وإن بقيت رائحته وطعمه ولونه لأنه بالطبخ استحال عن كونه طيبا .
ولا يجوز أن يستعط بالطيب (يدخله في أنفه) ولا يحتقن به ، لأن ذلك استعمال له .
والأصل في منع الطيب قول النبي صلى الله عليه وسلم فيمن وقصته ناقته فمات لا تمسوه بطيب رواه مسلم وفي لفظ ولا تخيطوه متفق عليه ويحرم دواء فيه طيب كالأكل .
(7) الادهان
الدهن الذي لا طيب فيه ولا رائحة له طيبة كالزيت والشيرج والسمن والشحم وغيرها . قال ابن المنذر فيه : أجمع عامة أهل العلم على أن للمحرم أن يدهن - بفتح الهاء وضمها - بدنه بالشحم والزيت والسمن ونقل جواز ذلك عن ابن عباس وأبي ذر والأسود بن يزيد وعطاء والضحاك ، غير أنه لا يجوز أن يدهن به رأسه عند عطاء ومالك والشافعي وأبي ثور والأحناف لأنه يزيل الشعث ويسكن الشعر .
وظاهر كلام أحمد بن حنبل أنه لو دهن رأسه به فلا فدية عليه...
ومن قصد شم الطيب من غيره بفعل منه مثل أن يجلس لذلك عند العطار ، أو يدخل الكعبة حال تجميرها ليشمها ، أو يحمل معه عقدة فيها مسك ليجد ريحها ، وشم الريح منها فإن عليه الفدية ، وأباح الشافعي ذلك إلا العقدة التي يشمها وفيها مسك .
فأما من لم يقصد شمه فلا شيء عليه لو شمه ؛ وذلك مثل الجالس عند العطارين لحاجته ، والذي يدخل السوق كذلك ، والذي يدخل الكعبة للتبرك بها ، ومن يشتري طيبا لنفسه أو للتجارة ولا يمسه ، لأنه لا يمكن التحرز عن الشم في ذلك كله فعفي عنه .
(8) التخضيب بالحناء
يحرم التخضيب بالحناء على المحرم والمحرمة عند الأحناف لأنه زينة عندهم وطيب .
وقال المالكية والشافعية والحنابلة : الحناء ليس بطيب فلا شيء فيه .
(9) شم الورد ونحوه
ما يستنبته الآدمي للطيب ويتخذ منه طيبا مثل الورد ، والبنفسج ، والنرجس والياسمين ، لا يجوز شمه عند الشافعي وأحمد ، وعلى من شمه فدية .
وقال الأحناف ومالك يكره شم ما ذكر ولا فدية فيه ، وهو قول أكثر الفقهاء .
(10) إزالة الشعر
يحرم على المحرم بإجماع الفقهاء إزالة شعره بلا عذر لقوله تعالى : ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله
والمراد إزالة الشعر كيفما كان حلقا وقصا ونتفا وغيرها وشعر باقي البدن ملحق بشعر الرأس ، ويجب على ولي الصغير منعه من إزالة شعره ، وتجب الفدية بإزالة الشعر سواء في ذلك شعر الرأس واللحية والشارب والإبط والعانة وسائر البدن .
وإن آذته شعرة داخل جفنه أو شعر حاجبه أزالها ولا فدية عليه ولو حلق المحرم رأس الحلال فلا شيء عليه عند مالك والشافعي وأحمد ، وعند الأحناف تجب الفدية . وحك المحرم رأسه برفق جائز بالإجماع . ويحرم على المحرم بناء على ما سبق مشط لحيته ورأسه إن أدى إلى نتف شيء من الشعر فإن لم يؤد إليه لم يحرم ، لكن يكره ، فإن مشط فنتف المشط شعرة لزمته نتيجة النتف حسب اختلاف الفقهاء .
والشعر الذي يسقط منتسلا - بنفسه - لا فدية فيه ، ولو كشط جلد رأسه وعليه شعر فلا فدية عليه .
(11) قلم الظفر
ويحرم على المحرم أخذ ما طال من ظفره بلا عذر إجماعا ، وكذلك أخذ ظفر غيره عند الأحناف . أما إن انكسر الظفر فإن له إزالته من غير فدية لأنه يؤذيه ويؤلمه ، فهو مثل الشعر النابت في عينه ، فإن قص أكثر مما انكسر فعليه الفدية وإن وقع في أظفاره مرض فأزالها فلا شيء عليه ، وإن احتاج إلى مداواة قرحة فلم يمكنه إلا بقص أظفاره فقصها فعليه الفدية ، وقال بعضهم لا فدية عليه .
(12) ستر الرأس
يحرم على الرجل ستر رأسه كله أو بعضه بأي شيء مما يستر به عادة ، مثل الثوب والقلنسوة (الطاقية) والعمامة والطربوش ، وأما ستره بغير معتاد مثل الطبق ، والقفة ، واليد فلا شيء فيه عند الأئمة الثلاثة ، وعند مالك يحرم بكل ساتر ولو كان ، طينا ، أو عجينا ، أو جيرا ، أو دقيقا ، أو يدا .
(13) ستر الوجه
أجمع الفقهاء على حرمة ستر المرأة وجهها ما عدا الجزء الذي لا يتم ستر الرأس إلا به ، ولها أن تسدل ثوبا على وجهها لا يكون ملاصقا له ، إنما يكون بعيدا متجافيا عن الوجه ، إن دعت إلى ذلك حاجة مثل شدة الحر والبرد ، وخوف الفتنة ونحوها ، كما يجوز ذلك لغير الحاجة عند بعضهم ؛ لأن نساء النبي صلى الله عليه وسلم كن يسترن وجوههن إذا مر عليهن الركبان أثناء الإحرام .
وإن أصاب الثوب وجه المرأة المحرمة بغير اختيارها فرفعته في الحال فلا شيء عليها ، وإن كان عمدا أو استدامته لزمتها الفدية .
وأما الرجل فيحرم عليه ستر وجهه بكل ما يستر عادة عند الأحناف ، وقال المالكية : يحرم ستر وجهه بأي ساتر ولو غير معتاد مثل الدقيق والطير ، إلخ ما سبق في تغطية الرأس.. هذا وستر البعض مثل ستر الكل في الحكم .
وقال الشافعي وأحمد والجمهور ، لا إحرام في وجه الرجل فله تغطيته بخلاف المرأة ، لأن عثمان رضي الله عنه غطى وجهه وهو محرم في يوم صائف وبذلك قال ابن حزم .
(14) نكاح المحرم
يحرم على المحرم عقد الزواج لنفسه أو لغيره بولاية أو وكالة عند داود ومالك والشافعي وأحمد والليث والأوزاعي ، فإن نكح فالنكاح باطل ، وهو قول عمر وعثمان وعلي بن أبي طالب وابن عمر وزيد بن ثابت ، وابن عباس وغيرهم . وقال أبو حنيفة والثوري : لا بأس بذلك .
وسبب الخلاف حديثان : أحدهما نهى النبي صلى الله عليه وسلم فيه المحرم من أن ينكح أو ينكح غيره أو يخطب والثاني فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم ، والحديثان صحيحان والرأي الأول أصح ، وشهادة المحرم على نكاح الحلالين ، جائزة . ا هـ
ومن طلق زوجته ثم أرجعها وهو محرم فإن الرجعة صحيحة عند مالك والشافعي والعلماء إلا الإمام أحمد في أشهر الروايتين عنه .
(15) تعرض المحرم للصيد
يحرم على المحرم قتل كل صيد بري مأكول من الوحش والطير كما يحرم اصطياده لقوله تعالى
يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم , المراد صيد البر لأن صيد البحر حلال لقوله تعالى
أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما .
وقد أجمعت الأمة على تحريم الصيد في الإحرام ، كما أجمعت على تحريم قتل صيد البر على المحرم . والصيد المحرم على المحرم صيده أو قتله ما جمع ثلاثة أشياء
(الأول)
أن يكون وحشيا ، فما ليس وحشيا لا يحرم على المحرم أكله ولا ذبحه كبهيمة الأنعام - الإبل والبقر والغنم - ويضاف إليها الخيل والدجاج ونحوها . ولا خلاف في ذلك والاعتبار في ذلك بالأصل لا بالحال ، فلو استأنس الوحشي وجب فيه الجزاء كالحمام فإنه يجب الجزاء في أهليه ووحشيه اعتبارا بالأصل ، ولو توحش الأهلي لم يجب فيه شيء ، وما تولد من الأهلي والوحشي اعتبر وحشيا تغليبا لجانب التحريم ، والبط كالحمام عند أحمد .
(الثاني)
أن يكون مأكولا ، فأما ما ليس بمباح الأكل كسباع البهائم ، والمستخبث من الحشرات والطير وسائر المحرمات فلا جزاء فيه ، وهذا قول أكثر أهل العلم .
وما تولد بين ، المأكول وغيره فيه الجزاء تغليبا للتحريم .
واختلفوا في الثعلب هل هو سبع فلا جزاء في قتله أو ليس سبعا ففيه الفدية ؟ قولان .
واختلفوا في السنور (القط) الأهلي والوحشي ، والصحيح أنه لا جزاء في الأهلي لأنه ليس وحشيا ولا مأكولا ، ولا في الوحشي لأنه سبع ، وكذلك اختلفوا في الهدهد .
(الثالث)
أن يكون صيد بر لا صيد بحر كما سبق .
(هذا) ومن صال واعتدى عليه سبع فقتله فلا شيء عليه ، ومثله من أراد تخليص صيد من سبع أو شبكة .
وعلى هذا فمن أتلف صيدا مما هو ممنوع فعليه جزاؤه ، وكذلك إن أتلف جزءا منه .
(16) الإعانة على قتل الصيد والدلالة عليه مطلقا
يحرم على المحرم الإعانة على قتل صيد البر الوحشي الأصل المأكول... وتستوي الإعانة بدلالة ، أو إشارة ، أو إعارة آلة إن اتصل بها القبض ، وذلك لأن ما حرم قتله حرمت الإعانة على قتله بالإجماع ، ولكنه لا يجب عليه الجزاء ، لأن ما لا يلزمه حفظه لا يضمنه بالدلالة عليه ، وقيل يجب الجزاء .
والدليل على ما ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل الصحابة عن صيد أبي قتادة أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها ، أو أشار إليها ؟ قالوا : لا . قال : فكلوا ما بقي من لحمها متفق عليه كما ثبت أن أبا قتادة عند الصيد سأل الصحابة أن يناولوه سوطه فأبوا ، فسألهم رمحه فأبوا ، فلما صاد أكل بعضهم معه ، وأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك .
(17) تنفير الصيد وإتلافه وبيعه وشراؤه
يحرم على المحرم والمحرمة تنفير الصيد وإثارته ، كما يحرم إتلافه بضرب ونحوه ، كما يحرم بيعه وشراؤه ؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم فتح مكة : إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض ، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة ، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده ، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها ، ولا يختلى خلاه ، فقال للعباس : يا رسول الله إلا الإذخر ، فإنه لقينهم ولبيوتهم فقال : إلا الإذخر أخرجه الشيخان وهذا لفظ مسلم
دل الحديث المذكور كل ما يأتي
(أولا) على حرمة قطع شوك الحرم ، وبه قال الجمهور . وقال بعض الشافعية : لا يحرم قطعه لأنه مؤذ ، لكنه قياس في مقابلة النص فلا يعول عليه .
والشجر المنهى عن قطعه في الحرم هو ما ينبت بلا صنع آدمي ، وأما ما ينبته الآدمي فيجوز قطعه عند الجمهور ، وقال الشافعي : في الجميع الجزاء .
وقد اتفقوا على تحريم قطع شجر الحرم غير أن الشافعي أجاز قطع السواك وأجاز أخذ الورق والثمر إذا كان لا يضرها .
(ثانيا) دل قوله صلى الله عليه وسلم : ولا يختلى خلاه على تحريم رعي الرطب من نبات الحرم ، لأنه أشد من القطع والاحتشاش أما اليابس فيجوز قطعه على الأصح عند الشافعي .
(18) أكل المحرم لحم الصيد الذي صيد له أو دل هو عليه
يحرم على المحرم أكل لحم صيد البر إلا إذا كان لم يصد لأجله ، ولم يدل عليه إلخ . وهذا قول مالك والشافعي وإسحاق وأحمد والجمهور ، أن الصيد الذي لم يصده المحرم ولم يصد له يحل أكله منه وإلا فهو حرام .
وقال الأحناف : لا يحرم على المسلم ما صيد له بغير إعانة ولا إشارة منه ولكل دليله والأحوط في ذلك عدم الأكل .
(19) كسر بيض الصيد وحلبه وبيع البيض وشراؤه
وحرمة هذه الأشياء مبنية على أن الشيء الذي يحرم على المحرم صيده يحرم عليه بيضه وحلبه ، فإن أتلفه ضمنه بقيمته عند الثلاثة ، وقال مالك : يضمنه بعشر ثمن أصله .
فوائد ذات أهمية:
( أ )
إذا ذبح المحرم الصيد صار ميتة يحرم أكله على جميع الناس عند أكثر العلماء ، ومنهم مالك والشافعي والأحناف ، وقال الحكم والثوري وأبو ثور : لا بأس بأكله ، وقال عمرو بن دينار وأيوب السختياني : يأكله الحلال .
( ب )
إذا جاع المحرم وصار مضطرا ووجد لحم ميتة وصيدا ، أكل لحم الميتة ولا يحل له الصيد عند الحسن والثوري ومالك وأحمد ، وقال الشافعي وإسحاق وابن المنذر : يأكل الصيد ، وهذا الخلاف إذا طابت نفسه بأكل الميتة ، وإلا فلا يأكلها ويأكل الصيد .
(جـ)
قتل البعوض والبراغيث والبق لا شيء فيه على المحرم ، وقتل القراض كما الجمال مستحب .
أما قتل الذباب ففيه عند مالك صدقة من الطعام .
وأما قتل القمل ففيه عند مالك صدقة من الطعام أيضا ، وهو عند الأحناف وأحمد حرام لأنه يترفه بإزالته فحرم ولا فدية فيه ، ورمي القمل في الحكم مثل قتله ، والصئبان (بيض القمل) مثل القمل في الحكم .
ولو أزال القمل من ثوبه أو بدنه فلا شيء عليه اتفاقا ، لأن النص جاء في قمل الرأس الذي أصاب كعب بن عجرة وأمره النبي صلى الله عليه وسلم بحلق رأسه والفدية .
دخول مكة المكرمة
كان مقتضى الكلام عن أركان الصلاة أن أذكر الوقوف بعرفة بعد الإحرام ، ثم أذكر طواف الإفاضة الذي يكون يوم النحر وما بعده ، ثم أذكر الحلق أو التقصير . وهذا معناه ألا أهتم بترتيب أعمال الحج حسبما رتبها الشرع الشريف ، وحسب مسيرة الحاج لأدائها ، وذلك نوع فيه تكلف ، وفيه ربكة للقارىء الذي يهمه أن يقرأ في رسالة الحج ما يطلب منه من أعمال الحج والعمرة خطوة خطوة مرتبة في الرسالة حسب ترتيبها في العمل والأداء ، جامعة بين ، الأركان والواجبات والسنن والممنوعات ليكون ذلك أيسر وأوفق وأجمع للفكر وأبعد عن التشتت والفصل بين ، حركة العلم وحركة العمل ، ولذلك اخترت دخول مكة بعد الإحرام ، لأنها المقصودة للجميع حينئذ حيث تبدأ المناسك العملية بعد الانتهاء من نسك الإحرام ومتطلباته .
أسماء مكة
مكة لها في القرآن أربعة أسماء : مكة ، وبكة ، وأم القرى ، والبلد الأمين ..
قال تعالى
وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة
وقال تعالى
إن أول بيت وضع للناس للذى ببكة مباركا وهدى للعالمين
وقال تعالى
ولتنذر أم القرى ومن حولها
وقال تعالى
وهذا البلد الأمين
وتقع مكة ببطن واد محاط بسور جبلي ، طولها من الشمال إلى الجنوب ثلاثة كيلو مترات ، وعرضها من الشرق إلى الغرب نصف ذلك .
ومداخلها أربعة : في الشمال الشرقي الطريق إلى منى ، وفي الجنوب الطريق إلى اليمن ، وفي الشمال الغربي الطريق إلى وادي فاطمة ، وفي الغرب الطريق إلى جدة .
وجبالها تكون سلسلتين ، إحداهما شمالية وتتكون من خمسة جبال والثانية جنوبية ، وتتكون من خمسة أيضا
ما يستحب فعله عند دخول مكة
إذا أراد المحرم دخول مكة شرع له ثمانية أمور
(1) أن يتوجه إليها بعد الإحرام بالحج أو العمرة
ومنها يخرج إلى عرفات ؛ لأن فوات هذه السنة يترتب عليه تفويت سنن كثيرة ، منها هذه السنة ومنها طواف القدوم ، ومنها تعجيل السعي ، ومنها كثرة الصلاة بالمسجد الحرام ، ومنها حضور خطبة يوم السابع بمكة ، ومنها المبيت بمنى ليلة عرفات ، وحضور الصلوات بها ، وغير ذلك ، فيراعى ذلك ما أمكن ليستطيع الحاج الاستفادة بجميع السنن التي فعلها الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم ، وبعض الفقهاء يرى بعضها واجبا وليس سنة ، وله دخول مكة ليلا أو نهارا .
(2) الاغتسال
يستحب أن يغتسل المحرم ، رجلا كان أو امرأة ، ولو حائضا أو نفساء عند غير المالكية ، أما المالكية ، فلا يرون استحباب الغسل للمرأة الحائض أو النفساء . ويكون الغسل بنية دخول مكة ، والأفضل أن يكون الاغتسال ذي طوى في أسفل مكة في صوب مسجد عائشة ويسمى في وقتنا بالزاهر).. وهذا إن كان طريقه عليه ، وإلا فليغتسل في أي مكان ، وبعضهم قال : يستحب المبيت بذي طوى قبل دخول مكة .
(3) الدخول من الثنية العليا
يستحب دخول مكة من الثنية العليا التي تشرف على الحجون وتسمى ثنية (كداء) بفتح الكاف والمد ، وإذا خرج راجعا إلى بلده خرج من ثنية (كدا) بضم الكاف والقصر والتنوين ، وهي بأسفل مكة بقرب جبل قعيقان ، وقال بعضهم : يستحب الخروج إلى عرفات من هذه الثنية أيضا - ثنية كدا - .
(هذا) والمذهب الصحيح الذي عليه المحققون أن الدخول من الثنية العليا مستحب لكل داخل سواء كانت جهة طريقه أم لم تكن ، فقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل منها ولم تكن في طريقه .
(4) التحفظ من إيذاء الناس
ينبغي لداخل مكة أن يراعي كثرة الناس وزحمتهم ، وأن الزحمة ضرورة يحتمها الموقف فعليه أن يرحم الصغير والمسن والمرأة من مزاحمته وإيذائه ، ويلاحظ بقلبه جلال البقعة التي هو فيها والتي هو متوجه إليها ، ويعذر من راحمه ، وليتذكر أن الرحمة لم تنزع إلا من شقي ، ولو كان من الحجاج ، ويدخل خاشع القلب خاضع النفس ذليلا لربه ، لأنه في حرمه ، ومتوجه إلى بيته ، ويدعو بما شاء ، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول عند دخوله : اللهم : البلد بلدك ، والبيت بيتك ، جئت أطلب رحمتك ، وأوم طاعتك ، متبعا لأمرك ، راضيا بقدرك ، مبلغا لأمرك ، أسألك مسألة المضطر إليك ، المشفق من عذابك ، أن تتقبلني ، وتتجاوز عني برحمتك ، وأن تدخلني جنتك
(5) البدء بالمسجد الحرام قبل الذهاب إلى أي مكان آخر
يستحب لداخل مكة أن يبدأ بالمسجد الحرام لأن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ به ، ولم يشتغل عنه بشيء حتى دخله فبدأ بالبيت فطاف به أخرجه الأزرقي في تاريخ مكة ، وبعد الطواف يعمل المطلوب من تأجير مسكن وغيره ، والمرأة الفاتنة تنتظر إلى الليل إن تيسر .
(6) الدخول من باب بني شيبة (باب السلام)
يستحب أن يدخل إلى الكعبة من باب بني شيبة ، ويسمى (باب السلام) ويكون متواضعا خاشعا ملبيا مقدما رجله اليمنى قائلا : أعوذ بالله العظيم ، وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم باسم الله والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك .
(7) نوع الطواف المطلوب من الداخل أول مرة
إن الداخل إلى البيت الحرام إما أن يكون مفردا يريد الحج فقط ابتداء ، وإما أن يكون قارنا : يريد الحج والعمرة متصلين ، بإحرام واحد ، وإما أن يكون متمتعا : يؤدي العمرة أولا ، ثم يتحلل ، ثم يؤدي الحج .
فإن كان مفردا أو قارنا فعليه أن يطوف بالبيت بنية طواف القدوم وهو سنة أو واجب كما سيأتي ، وإن كان متمتعا فمعناه